ابن الأثير

555

الكامل في التاريخ

وضايقتهم ، فأوقعت بهم ، فقتلوا من أرادوا قتله ، وأخذوا الباقين بمراكبهم ، وأدخلوهم ميناء صور ، والمسلمون في البرّ ينظرون إليهم ، ورمى جماعة من المسلمين أنفسهم من الشواني في البحر ، فمنهم من سبح فنجا ، ومنهم من غرق . وتقدّم السلطان إلى الشواني الباقية بالمسير إلى بيروت لعدم انتفاعه بها لقلّتها ، فسارت ، فتبعها شواني الفرنج ، فحين رأى من في شواني المسلمين الفرنج مجدّين في طلبهم ألقوا نفوسهم في شوانيهم إلى البرّ فنجوا وتركوها ، فأخذها صلاح الدين ، ونقضها وعاد إلى مقاتلة صور في البرّ ، وكان ذلك قليل الجدوى لضيق المجال . وفي بعض الأيّام خرج الفرنج فقاتلوا المسلمين من وراء خنادقهم ، فاشتدّ القتال بين الفريقين ، ودام إلى آخر النهار ، كان خروجهم قبل العصر ، وأسر منهم فارس كبير مشهور ، بعد أن كثر القتال والقتل عليه من الفريقين ، لمّا سقط ، فلمّا أسر قتل ، وبقوا كذلك عدّة أيّام . ذكر الرحيل عن صور إلى عكّا وتفريق العساكر لمّا رأى صلاح الدين أنّ أمر صور يطول رحل عنها ، وهذه كانت عادته ، متى ثبت البلد بين يديه ضجر منه ومن حصاره فرحل عنه . وكان هذه السنة لم يطل مقامه على مدينة بل فتح الجميع في الأيّام القريبة ، كما ذكرناه ، بغير تعب ولا مشقّة . فلمّا رأى هو وأصحابه شدّة أمر صور ملّوها ، وطلبوا الانتقال عنها ، ولم يكن لأحد ذنب في أمرها غير صلاح الدين ، فإنّه هو جهّز إليها جنود الفرنج ، وأمدّها بالرجال والأموال من أهل عكّا وعسقلان والقدس وغير ذلك ، كما سبق ذكره ، كان يعطيهم الأمان ويرسلهم إلى صور ،